منير سلطان

134

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

فمن المعلوم ضرورة أنهم لم يقولوا ذلك بل كانوا بين أمرين : 1 - أما أن يخبروا عن أنفسهم بالعجز والقصور وذلك حين يخلو بعضهم ببعض . 2 - وإما أن يتعلقوا بما لا يتعلّق به إلّا من أعوزته الحيلة ، ومن فلّ بالحجة من نسبته إلى السحر ، وما في مستواه من خلط ، ومما لا شك فيه أنهم كانوا قد علموا أن صورة أولئك صورتهم ، وأن التقدير فيهم ، أنهم لو كانوا في زمان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم تحدوا إلى معارضة لكانوا في مثل حال هؤلاء الكائنين في زمانه . ومن هنا ننتهى إلى حقيقة يقينية مؤداها أن القرآن الكريم معجز ، ناقض للعادة وأنه في معنى قلب العصا حية ، وإحياء الموتى ، في ظهور الحجة به على الخلق كافة . ودائما ما يثير المتكلمين جانب معارضة القرآن تلك التي تنسب إلى عباقرة الشعر والنثر - وكثيرا ما أوضح المتكلمون تهافته . وكأني بالمعارضين قد تعلقوا به وبشدة ، واستمالوا به الناس ، فلزم المتكلمين أن يشرحوا خبث طواياه وتهاوى أركانه . أنهم يقولون : لقد جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلّموا له وحتى لا يطمع أحدا في مداناته وحتى ليقع الإجماع فيه أنه الفرد الذي لا ينازع ، ثم يحددون أسماء كان لها شأنها في الشعر والنثر كامرئ القيس ، والجاحظ وأترابهما كلّ مذكور بأنه كان أفضل أهل صناعته في عصره . ويجيب الجرجاني عليهم . محددا أو لا المقصود من قول القائل « هذا أفضل الشعراء وأفضل الكتاب » بأن الشرط في المزية الناقضة للعادة أن يبلغ الأمر فيها إلى حيث يبهر ويقهر حتى تنقطع الأطماع عن المعارضة أو المداناة من صاحب هذه الصفة « 1 » . فمن من الشعراء سلم له أنه كان في وقت من الأوقات قد بلغ أمره المزية والعلو على أهل صناعته هذا المبلغ ؟ امرؤ القيس ؟ قد عارضه علقمة الفحل وقصتهما مشهورة ، وحتى إجماع الناس على أنه أشعر الشعراء لم يصف له خالصا ، فكثيرا ما اضطربت الناس بين أسماء شاركته الفحولة ونازعته القمة .

--> ( 1 ) انظر الجرجاني - الرسالة الشافية - 590 .